الحالة الجوية في العراق للأيام القادمة              نصب وتشغيل محطة للأنواء الجوية في قضاء الرطبة              حفل تكريم قامتين علميتين بارزتين بمناسبة إحالتهما إلى التقاعد              أحد باحثي جامعة الأنبار ينشر بحثًا دوليًا حول استخدام الذكاء الاصطناعي في مواد البناء المستدامة              ورشة توعوية بعنوان (من النفايات إلى الموارد: أهمية إعادة التدوير وتقليل المخلفات)

 تفاصيل الخبر

الهيدروقراطية: المياه كسلاح جيوسياسي

2026-04-04

الهيدروقراطية: المياه كسلاح جيوسياسي


المدرس المساعد سولاف طه داود

مركز أعالي الفرات لأبحاث التنمية المستدامة – جامعة الانبار

مقدمة: ترتبط فكرة "الهيدروقراطية" ارتباطاً وثيقاً بنظرية "الواقعية الجيوسياسية" في العلاقات الدولية، والتي تفترض أن الدول تسعى دائماً لتعزيز أمنها وقوتها. في هذا الإطار، لم تعد السيطرة على الأراضي أو الموارد النفطية هي المحرك الوحيد للصراعات؛ بل أصبحت السيطرة على المياه، كونها مورداً لا غنى عنه للحياة والزراعة والصناعة، أداة فعالة للضغط السياسي والاقتصادي. تُعرّف الهيدروقراطية بأنها "حكم أو سُلطة تُمارس عبر الهيمنة على المياه".

أسس وأدوات الهيدروقراطية:

تعتمد الهيدروقراطية على عدة أدوات رئيسية تمكّن دولة المنبع (الدولة التي ينبع أو يمر منها النهر) من ممارسة النفوذ على دول المصب (الدول الواقعة على مجرى النهر)، منها:

  1. بناء السدود ومشاريع التحويل: إنشاء سدود ضخمة لتخزين المياه أو تحويل مسارات الأنهار، مما يمنح دولة المنبع القدرة على التحكم في كمية وتوقيت تدفق المياه إلى الدول المجاورة.
  2. التلويث والاستنزاف: تلويث مصادر المياه المشتركة (مثل الأنهار العابرة للحدود) عبر تصريف الملوثات الصناعية والزراعية، أو الإفراط في استخراج المياه الجوفية العابرة للحدود.
  3. استخدام المياه كأداة سياسية: استخدام "ورقة المياه" في المفاوضات كوسيلة للضغط لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو إقليمية.

أمثلة تطبيقية على الهيدروقراطية:

  1. نهر النيل: نموذج للتوتر والتفاوض الهيدروقراطي

السياق: تعتمد مصر والسودان بشكل شبه كلي على مياه النيل، بينما تقع دول المنبع في هضبة إثيوبيا وأوغندا وغيرها.

المثال: يمثل سد النهضة الإثيوبي الكبير أحدث وأوضح مثال على الهيدروقراطية، فمن خلال بناء هذا السد العملاق على النيل الأزرق، تكتسب إثيوبيا نفوذاً استراتيجياً كبيراً، فهي تتحكم في قدرة مصر والسودان على الوصول إلى حصتهما المائية التاريخية. أدى هذا المشروع إلى مفاوضات وتوتر أستمر لسنوات، أذ تحاول إثيوبيا ترجمة سيطرتها المائية إلى مكاسب اقتصادية (توليد الكهرباء للتصدير) ونفوذ سياسي إقليمي، بينما تسعى مصر للحفاظ على أمنها المائي المهدد.

  1. نهري دجلة والفرات: صراع الهيمنة التاريخي

السياق: ينبع نهري دجلة والفرات من مرتفعات تركيا، ويجريان عبر سوريا ليصبا في العراق.

المثال: تُمثّل مشاريع (GAP) جنوب شرق الأناضول التركية نموذجاً كلاسيكياً للهيدروقراطية. فمن خلال بناء 22 سداً ومحطة كهرومائية على نهري دجلة والفرات، تسيطر تركيا بشكل كبير على تدفق المياه إلى سوريا والعراق. استخدمت تركيا هذه الورقة بشكل واضح في فترات التوتر السياسي، حيث هددت علناً بقطع المياه أو تقليلها لتحقيق أهداف سياسية، مما جعل الأمن المائي للعراق وسوريا رهناً بالإرادة التركية إلى حد كبير.

  1. نهر الأردن وحوض المياه الجوفية الفلسطيني: الهيدروقراطية في حالة صراع

السياق: يعتبر الصراع العربي الإسرائيلي أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على استخدام المياه كأداة سيطرة.

المثال: تتحكم إسرائيل منذ احتلالها للضفة الغربية ومرتفعات الجولان في الجزء الأكبر من موارد المنطقة المائية. فهي تسيطر على مياه نهر الأردن وتحرم الفلسطينيين من حقهم فيها، كما تفرض قيوداً صارمة على حفر الآبار الفلسطينية في الضفة الغربية، بينما تسمح للمستوطنات الإسرائيلية باستنزاف المياه الجوفية من نفس الحوض. هذه السيطرة غير المتكافئة هي تجسيد عملي للهيدروقراطية، حيث تُستخدم المياه لتثبيت الأمر الواقع السياسي والديموغرافي.

التحديات والانتقادات:

يثير مفهوم الهيدروقراطية انتقادات وتحديات أخلاقية وقانونية كبيرة، حيث يتعارض مع مبادئ القانون الدولي التي تنص على الاستخدام العادل والمعقول للمياه الدولية وعدم إلحاق الضرر بالدول الأخرى. كما أن الاعتماد على الهيدروقراطية يزيد من عدم الاستقرار الإقليمي ويُغذي نزعات الصراع بدلاً من التعاون.

في حين يأتي الهدف السادس لأهداف التنمية المستدامة الإطار المعياري لمواجهة الهيدروقراطية "ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها إدارة مستدامة" نقلة نوعية في الحوكمة المائية الدولية، إذ يتجاوز منطق الهيمنة الهيدروقراطية القائم على توظيف الندرة المائية كأداة جيوسياسية، ليؤسس نموذج قائم على الإنصاف والاستدامة والتعاون عبر الحدود. يتكون الهدف من ثماني غايات تغطي الدورة الهيدرولوجية المتكاملة، أبرزها: الوصول العادل إلى مياه الشرب المأمونة، تحسين نوعية المياه عبر معالجة الملوثات، والإدارة المتكاملة للموارد المائية بما في ذلك التعاون العابر للحدود.

المصادر والمراجع:

  1. Allan, J. A. (2001). The Middle East Water Question: Hydropolitics and the Global Economy. I.B. Tauris.
  2. Elhance, A. P. (1999). Hydropolitics in the 3rd World: Conflict and Cooperation in International River Basins. United States Institute of Peace Press.
  3. Gleick, P. H. (1993). "Water and Conflict: Fresh Water Resources and International Security." International Security, 18(1), 79–112.
  4. Transboundary Freshwater Dispute Database (TFDD). Oregon State University.
  5. Wolf, A.T.(1998)."Conflict and Cooperation along International Waterways." Water Policy, 1(2), 251–265.
  6. Zawahri, N. A. (2009). "Syria and Turkey in Water Diplomacy." Middle East Policy, 16(1), 134-150.
  7. UN-Water. (2021). Summary Progress Update 2021: SDG 6.
  8. Ünver, O. (2024). "An anatomy of SDG 6". In Sustainable Development and Water Security. Cambridge University Press.

#جامعة_الأنبار

#university_of_anbar

#مركز_أعالي_الفرات_لأبحاث_التنمية_المستدامة

#Upper_Euphrates_Center_for_Sustainable_Development_Research

#المياه_النظيفة_والنظافة_الصحية #SDG6

#العمل_المناخي #SDG13

 تعليقات الفيسبوك

 المزيد من الاخبار

 الزراعة الحضرية ودورها في تنمية المدينة الاقتصادية

 توظيف الابتكار التكنولوجي في دعم مسارات التنمية المستدامة

 رحلة الفكر الجغرافي من الوصف القديم الى التحليل الرقمي

 لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان: أَبْعَادٌ قِيَمِيَّةٌ فِي ضَوْءِ أَهْدَافِ التَّنْمِيَةِ الْمُسْتَدَامَةِ

 العراق بين تذبذب الأمطار وإدارة الموارد المائية لتحقيق التنمية المستدامة

 محاور أساسية في الخطوات التنموية

 جدلية الواقع الديموغرافي بين فرصة "النافذة وأزمة العبء"

 الجدوى الاقتصادية للطاقة المتجددة في العراق – الأنبار