| تفاصيل الخبر |
العراق بين تذبذب الأمطار وإدارة الموارد المائية لتحقيق التنمية المستدامة
2026-01-27
المدرس المساعد بلال مؤيد عبد الرحيم الالوسي
مركز أعالي الفرات لأبحاث التنمية المستدامة – جامعة الانبار
يُعدّ الماء من أهم الموارد الطبيعية التي تقوم عليها حياة الإنسان واستقرار المجتمعات وتزداد أهميته في الدول الواقعة ضمن الأقاليم الجافة وشبه الجافة ومن بينها العراق، ارتبط تاريخ العراق منذ أقدم الحضارات بإدارة المياه حيث نشأت الحضارات السومرية والبابلية والآشورية على ضفاف نهري دجلة والفرات، إلا أن العراق في العقود الأخيرة يواجه تحديات متزايدة تتمثل في تذبذب الأمطار وتغير الأنماط المناخية وتراجع الإيرادات المائية السطحية نتيجة سياسات دول المنابع، إضافة إلى الضغوط السكانية والاقتصادية ما جعل إدارة الموارد المائية محورًا أساسيًا لتحقيق التنمية المستدامة وضمان الأمن المائي والغذائي.
يقع العراق ضمن نطاق المناخ الصحراوي وشبه الصحراوي ويتميز بندرة الأمطار وعدم انتظامها زمانيًا ومكانيًا، إذ تتركز الأمطار في فصل الشتاء وتزداد كمياتها في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية بينما تقل بشكل واضح في الوسط والجنوب كما تتسم الأمطار بالتذبذب الكبير من سنة إلى أخرى وقد ساهم التغير المناخي العالمي في زيادة حدة هذا التذبذب من خلال ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الجفاف وقصر الموسم المطري وتكرار الظواهر المناخية المتطرفة، ونتيجة لذلك تراجع الاعتماد على الأمطار كمصدر مستقر للمياه مما انعكس سلبًا على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
تؤدي قلة الأمطار إلى تراجع واضح في الإنتاج الزراعي وضعف نمو المحاصيل لا سيما في الزراعة الديمية كما تسهم في تدهور خصوبة التربة وازدياد ملوحتها نتيجة قلة الغسل الطبيعي للأملاح ويضطر المزارعون إلى الاعتماد المتزايد على مياه الري والمياه الجوفية مما يؤدي إلى استنزاف الموارد المائية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتمتد آثار الجفاف إلى الثروة الحيوانية عبر تراجع المراعي الطبيعية ونقص الأعلاف كما تسهم قلة الأمطار في تسريع ظاهرة التصحر ما يجعل التكيف مع هذه التحديات ضرورة لتحقيق استدامة القطاع الزراعي.
أما قطاع الطاقة الكهربائية فهو الأكثر تأثرًا بندرة المياه حيث يعتمد بشكل كبير على الموارد المائية سواء في إنتاج الطاقة أو تشغيل محطات التوليد ومع تراجع الأمطار تنخفض مناسيب الخزانات خلف السدود مثل سد الموصل ودوكان ودربندخان مما يؤدي إلى انخفاض القدرة التشغيلية لمحطات التوليد الكهرومائية وتقليص ساعات التشغيل اليومية ويزداد الاعتماد على محطات التوليد الحرارية التي تتطلب وقودًا أحفوريًا وتكاليف تشغيلية مرتفعة.
تعود أسباب شح المياه في العراق إلى تذبذب الأمطار وتراجع كمياتها نتيجة التغير المناخي إضافة إلى سياسات دول المنابع وبناء السدود على نهري دجلة والفرات وسوء إدارة الموارد المائية وارتفاع نسب الهدر في شبكات الري فضلاً عن النمو السكاني وزيادة الطلب على المياه.
لمواجهة هذه التحديات وضمان استدامة المياه يجب اعتماد استراتيجية شاملة ومتعددة المستويات تشمل ترشيد استخدام المياه في جميع القطاعات خصوصًا الزراعة والصناعة من خلال تطوير شبكات الري الحديثة مثل الري بالتنقيط والرش لتقليل الهدر وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي مع دول المنبع لضمان حصص عادلة ومستقرة من مياه نهري دجلة والفرات كما يُعدّ تنويع مصادر المياه جزءًا أساسيًا من الحل عبر استثمار مياه الأمطار وما يعرف بحصاد المياه وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة واستغلال الموارد الجوفية بطريقة مستدامة ويجب تطبيق التقنيات الحديثة لمراقبة استهلاك المياه وجودتها بما في ذلك نظم الاستشعار عن بُعد وتحليل البيانات بالذكاء الاصطناعي لتعزيز إدارة الموارد بكفاءة إضافة إلى ذلك تلعب التوعية المجتمعية والتشريعات المحدثة دورًا مهمًا في ترسيخ ثقافة الاستخدام الرشيد للمياه وحماية النظم البيئية ما يضمن استدامة الموارد المائية وتحقيق التنمية المستدامة على المدى الطويل.
#مركز_أعالي_الفرات_لأبحاث_التنمية_المستدامة
#Upper_Euphrates_Center_for_Sustainable_Development_Research
